ابن أبي الحديد
217
شرح نهج البلاغة
قال أبو مخنف : جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان ، فقالت لها : يا بنت أبي أمية ، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لنا من بيتك ، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك ، فقالت أم سلمة : لأمر ما قلت هذه المقالة ، فقالت عائشة : إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير ، وطلحة ، فأخرجي معنا ، لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا بنا ، فقالت أم سلمة : إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان ، وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلا نعثلا ، وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، أفأذكرك ؟ قالت : نعم ، قالت : أتذكرين يوم أقبل عليه السلام ونحن معه ، حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال ، خلا بعلي يناجيه ، فأطال ، فأردت أن تهجمي عليهما ، فنهيتك فعصيتني ، فهجمت عليهما ، فما لبثت أن رجعت باكية ، فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إني هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلى ، ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة ، أيام ، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي ! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ، وهو غضبان محمر الوجه ، فقال : ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان ، فرجعت نادمة ساقطة ! قالت عائشة : نعم أذكر ذلك . قالت : وأذكرك أيضا ، كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس ( 1 ) يعجبه ، فرفع رأسه ، وقال : ( يا ليت شعري ، أيتكن صاحبة الجمل الا ذنب ، تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة
--> ( 1 ) الحيس : تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن ويدلك حتى تمتزج ثم يندر نواه .